حين ينتصر الحسين في كل المعارك... عدا كربلاء
تتخطى قصة الحسين المفهوم الديني الضيق لتلامس أفقاً إنسانياً أرحب؛ فهي في جوهرها قصة البطل الملحمي الذي يقرر، في لحظة فارقة، أن ينتفض ضد ما يراه من ظلم مستشرٍ في قومه. هذه التيمة الإنسانية حاضرة في وجدان الثقافات كافة، نلمس أثرها في الحكايات الشعبية مثل “علي الزيبق”، وصولاً إلى أساطير التحرر العالمية في أقاصي الأرض. غير أن قصة الحسين تتفرد بكونها ملحمة لبطل خرج لنصرة الحق ودحض الباطل، وهو يدرك تمام الإدراك مآل خروجه: خسارة محققة، وموت محتوم، وربما تمثيل بجسده.
نحن هنا نتحدث عن رجل من سلالة نبي هذا الدين، بل وابنه المباشر في الموروث والوجدان الإسلامي. لم يكن هذا الرجل مضطراً، بالمعايير الدنيوية، لسلوك هذا الدرب الوعر لدعم الحق؛ فقد كان بوسعه – كما ترى بعض وجهات النظر – أن يرتضي بالمال، ويعيش في دعة وهدوء، أو أن يكتفي بمقاومة الباطل بلسانه، أو حتى أن يركن إلى الصمت الذي قد يسعه شرعاً.
لكنه تخطى ذلك كله، متجاوزاً حتى مكانة نسبه الشريف. في تلك اللحظة الحاسمة من الزمن، أبى الحسين أن يبتلع غصة الظلم أو أن يتعايش مع طغيانه، وقرر أن يتحرك.
أميل شخصياً إلى الظن بأنه كان يعلم يقيناً أن القوم الذين خذلوا أباه وأخاه من قبل، لن يختلف صنيعهم معه. إلا أنه أراد لدمه – كمسلم أولاً، وكسبط ووريث اعتباري لناقل هذا الدين ثانياً – أن يكون وثيقة حية، وختماً دامغاً يفضح هذا الباطل؛ أراد ألا يُسجل التاريخ يوماً أن ابن رسول الإسلام قد خضع، ولو بصمته، لانحراف بوصلة الحكم في دار الإسلام.
وللمفارقة العجيبة، خسر الحسين معركته العسكرية؛ خسر رأسه، وفقد أبناءه وأهله.. لكنه انتصر في كل معركة تلتها انتصاراً ساحقاً وممتداً. لقد تحول الحسين إلى أيقونة عالمية تتجاوز كونه شخصية مركزية في سردية طائفة من دين يعتنقه مليارا إنسان، ليصبح رمزاً مجرداً للحق الذي يستلزم إثباتُه دماً ورأساً وحصاراً.. ليس بالضرورة لينتصر في لحظته، بل ليضمن البقاء.
لقد أضحى مثالاً حياً لقيمة تسمو على الإنسان ذاته: “التضحية من أجل الحق”، جاعلاً من دمه لعنة تطارد الظالمين في كل زمان ومكان. فحين قُطعت تلك الرأس، قُطعت معها كل حجة أو ذريعة يمكن أن يتوسل بها المرء للتصالح مع الظلم أو السكوت عنه. الأمر إذن يتجاوز فكرة مقتل شخص عظيم، فالاغتيالات تحدث كل يوم، لكن الحسين أراد – بقصد أو بفيض من يقينه – إرساء قاعدة مفادها: أن دور الإنسان في الحياة قد يتلخص في إبقاء الحق حياً بدمه.
لذلك، فالحسين حاضر في كل لحظة وفي كل موقف؛ حاضر حين يُظلم رفيقك في العمل، وحاضر حين تُضطهد إنسانة من قِبل من تحركه شهوة السيطرة والاستقواء، سواء بقوة السلطة أو بقوة الجسد. الحسين موجود طالما وُجد حق مغتصب، وباطل يحرسه ظالمون.
نصيحتي إليك: إياك أن تكون يوماً من قتلة الحسين، أو جندياً في جيش يزيد. فالأمر أوسع من مجرد تاريخ مضى؛ لا تصمت عن ظلم، ولا تُعن على باطل، ولا تتصالح مع فاسد، ولا تترك إنساناً يخوض معركة الحق وحده بينما تلوذ أنت بالصمت. وتذكر دائماً تلك المفارقة المؤلمة:
”الناس تكره يزيد.. لكنها تسكت عن موت الحسين!”


(ملحمة انتصار الدمِ على السيف)
👏🏻عاشت ايدك
جميل :')